بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد في سوريا وانتهاء حقبة من الاستبداد والعنف عرفها السوريون والسوريات لنصف قرن، دخلت سوريا في مرحلة انتقالية تهدف بحسب القائمين عليها إلى “بناء دولة قانون”، في حين يبدو تحقيق هذا الهدف غاية في الصعوبة، وسط تحديات كبيرة لعل أعقدها المشهد القانوني، تبرز العديد من القضايا العالقة في الداخل السوري، مثل قضايا المرأة والنوع الاجتماعي وحقوق الأقليات الجنسية والجنسانية والتي لا تبدو المؤشرات حولها إيجابية.
ورغم أن سوريا واحدة من الدول الموقعة على أغلب مواثيق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 وينص على واجب الدول في صون حقوق الإنسان وكرامته دون أي تمييز بناء على العرق، الجنس، الشكل، الأصل، فإن الواقع بعيد كل البعد عن روح هذا الإعلان ما ينعكس بطبيعة الحال على الواقع الاجتماعي والقانوني الذي يعيشه أفراد مجتمع الميم ع.
منذ تأسيس منظمة حركة حراس المساواة (جيم) قبل 5 أعوام تقريبا، استقبلت المنظمة خلال فترتي حكم عرفتها سوريا عشرات الحالات لأفراد من مجتمع الميم ع واجهوا أشكالا متعددة من المشاكل القانونية، لم تتمحور جميعها حول المادة 520 وقوانين الآداب العامة وخدش الحياء وغيرها، إنما تجاوزت في بعض الحالات هذا الإطار لتصبح مشاكل تمييزية حيث تصبح الضحية الواجب حمايتها، مستهدفة ومعتقلة.
يضيء التقرير التالي على أبرز الانتهاكات والتحديات التي تواجه أفراد الأقليات الجنسية والجنسانية على المستوى القانوني، وذلك بالاعتماد على أسلوب المقابلة مع عدد من الشهادات يقوم التقرير باستعراض اثنتين منها، بالإضافة إلى مقابلة مطولة مع محام يعمل في العاصمة دمشق، إلى جانب التقصي من خلال البحث وعلى الأرض بواسطة نقطة اتصال ميدانية.
خلفية قانونية.. المادة 520 وغيرها:
ينص قانون العقوبات السوري وتحديداً المادة 520 على تجريم “المجامعة على خلاف الطبيعة”، ومن الناحية العملية يتم استخدام هذا النص الفضفاض من قبل القضاة والأجهزة الأمنية لتجريم الهوية الجندرية حتى دون تلبس جرمي، أي مثل حالة العابرين/ات أو الأشخاص حاملي صفات الجنسين، الأكثر عرضة للاعتقال بسبب اللباس أو المظهر.
من أجل فهم أوسع لمواد القانون السوري التي تجرم أفراد الأقليات الجنسية والجنسانية، تواصلنا مع محام سوري يعمل في العاصمة السورية دمشق، وعن الـ 520 تحديداً، يقول الخبير القانوني: إن “الإشكالية” في الـ 520 أنها قابلة للتأويل، حيث لم يتم تحديد معنى “خلاف الطبيعة” في نص القانون بشكل واضح، مما يجعله مطاطاً، ويضيف: “أن الأمر يتجاوز وقوع الفعل حيث يعتقل هؤلاء الأفراد حتى لمجرد النية أو العزيمة على الفعل، وليس فقط وقوعه”، حيث تقوم جهة الاعتقال ببناء الأدلة وفق محتوى الهاتف.
وعن غيرها من مواد قانونية يتم استخدامها لتجريم أفراد مجتمع الميم ع، يشير المحامي السوري إلى المادة 503 المتعلقة بقانون الآداب العامة: “تتضمن هذه المادة مصطلحات مثل الفعل الخادش أو الفعل الفاضح، التي غالباً ما يُقصد بها أفراد مجتمع الميم ع. وتُغلّظ العقوبة إذا ثبت أنها صادرة عن شخص مثلي”.
وإلى جانب المادة 503، نجد أخرى ضمن قوانين الآداب العامة، وهي المادة 517 التي قد تستخدم لتجريم أفراد مجتمع الميم ع، وتنص هذه المادة على معاقبة كل من يرتكب أفعالا منافية للحشمة بالحبس من شهر إلى سنة.
كذلك، يستخدم قانون الجرائم الإلكترونية لملاحقة الناشطين/ات الكويريين/ات والأشخاص المثليين عبر اتهامات مثل إدارة مواقع تهدف إلى “إفساد الأخلاق” أو “الاتجار بالبشر”، فقط لمجرد ارتياد هذه المواقع، يقول لنا المحامي السوري الذي أشار أيضاً خلال مداخلته إلى شكل آخر من أشكال “العنف المؤسسي” باستخدام ذرائع قانونية مثل إجراء الفحوصات القسرية التي تحدد الجنس.
“القانون لم يتغير. العقلية القانونية ليست موحدة، إذ تخضع سوريا لسلطات متباينة بالمرجعية الفكرية، مما يزيد التعقيد. العقلية المجتمعية تشكل ضغطاً كبيراً يفوق أحياناً تأثير النص القانوني”.
محام سوري – دمشق
معاناة مضاعفة أمام العابرات والمثليين وسط فراغ قانوني:
غادة هو اسم وهمي لشابة سورية عابرة جندرياً، تعيش اليوم في عزلة إجبارية داخل منزلها الواقع في حي من أحياء دمشق المزدحمة. هي واحدة من عشرات تظهر قصصهن مدى عمق الفجوة القانونية التي تترك أفراد مجتمع الميم ع عرضة للقتل أو الاعتقال لمجرد “الاختلاف”، في سياسة بدت ممنهجة تتعمد تبرير العنف المباشر والانتهاكات المستمرة تجاه هؤلاء الأفراد.
ما قبل سقوط النظام:
- المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام:
قبل سقوط النظام بسنوات قليلة، تعرضت غادة لسلسلة من الانتهاكات الممنهجة من قبل الأجهزة الأمنية، حيث تم اعتقالها تعسفياً وإيداعها في سجن عدرا المركزي، لم تستند التهم الموجهة إليها إلى أي فعل جرمي، بل كانت هويتها الجندرية هي التهمة: “520: المجامعة على خلاف الطبيعة!” رغم عدم اعتقالها أثناء تلبس جرمي.
تعتقد غادة أنه تم اعتقالها بسبب مظهرها: ” كان شعري طويلا، وأرتدي ملابس للجنسين”، وتنقلت خلال فترة احتجازها بين عدة أفرع أمنية، كانت فيها عرضة لعدد من الانتهاكات مثل التعنيف اللفظي والنفسي الشديد والشتائم والتهديدات المباشرة بالقتل من العناصر الأمنية:
“أنتِ بلاء على الكوكب. يجب رميكم من مكان عال”.
يوثق بحث مطول لمنظمة حركة حراس المساواة صدر في نيسان/ أبريل عام 2024، شتى أشكال الانتهاكات التي تعرض لها أفراد مجتمع الأقليات الجنسية والجنسانية داخل سوريا، على امتداد الخريطة السورية واختلاف وتعدد جهات السيطرة آنذاك، ويفكك البحث القوانين التي تجرم أفراد هذا المجتمع في كل منطقة على حدى، قوانين تنص على عقوبات مشددة قد تصل حد القتل.
وفي هذا السياق، تعتبر سوريا واحدة من أكثر البلدان خطورة على أفراد مجتمع الميم ع، كما شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة موجات متجددة على المستوى السياسي من التحريض والشيطنة تجاه المثلية والمثليين/ات جاءت ضمن عدة خطابات لرئيس النظام السابق بشار الأسد وزوجته أسماء الأسد ووسائل الإعلام.
- المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة:
في أرياف حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة وقبل أعوام قليلة من سقوط النظام، اعتقلت “بيوتي” وهو اسم وهمي لشاب/ة سوري/ة بتهمة “الشذوذ واللواطة”، لكن اعتقاله/ا لم يكن نتيجة الضبط لحظة اقتراف “الجرم”، بل بسبب تداعيات تحقيق آخر في حادثة منفصلة صاحبها أحد أصدقائه/ا.
بدأت الحادثة عندما تعرض صديقه/ا للسرقة والاعتداء الجنسي من قبل شخص، وعندما أبلغ والده بالحادثة قام الأب بتقديم بلاغ للجهات الأمنية في المنطقة، لتخلص التحقيقات أن الشاب ذهب بملء إرادته ما أدى إلى اعتقاله، وبسبب الضغط النفسي الشديد والتعنيف الجسدي أثناء التحقيق قام الشاب بالاعتراف والإبلاغ عن أشخاص آخرين من مجتمع الميم ع في محيطه، وكان/ت “بيوتي” من بينهم.
تم اعتقال بيوتي واحتجازه/ا لثلاثة أيام واجه/ت خلالها أشكالا متعددة من الإهانات اللفظية والتعنيف الجسدي والضرب على الوجه بسبب الهوية الجندرية والتوجه الجنسي: “أنتم شواذ. تخربون المجتمع”.
ورغم عدم وجود دليل قاطع يثبت صحة الاتهامات الموجهة لبيوتي، إلا أنها تعرضت للكثير من الترهيب والتهديد ولم يخل سبيلها إلا بعد التوقيع على تعهّد بـ “الالتزام سلوكيا”.
الأمر الذي زاد تعقيد المشهد بالنسبة لبيوتي، هو تسرب خبر اعتقالها وانتشاره بشكل محدود في أوساط عائلتها، تصف ذلك بالقول: “الشعور بالنقص، والنبذ.. هذا الشعور أبشع من الضرب بألف مرة”.
“الشعور بالنقص، والنبذ.. هذا الشعور أبشع من الضرب بألف مرة”
يقول المحامي السوري إن مثل هذه التعهدات التي يجبر من أفراد مجتمع الميم ع على توقيعها قبل إخلاء السبيل لا تحمل أي قيمة قانونية، لأنها لا تستند إلى حكم قضائي ولا تُعتبر إدانة، وهي مجرد “أداة ابتزاز ورقابة أمنية”، تُحوّل الشخص من متهم إلى خاضع للرقابة خارج الإطار القانوني. ويشير إلى أن هذا الواقع يدفع كثيرين إلى الهجرة هرباً من الملاحقات.
ما بعد سقوط النظام:
استمرت وتيرة العنف المضاد لأفراد مجتمع الميم ع في تصاعد وسط تسارع الأحداث نهاية عام 2024، وبعد أقل من شهر على سقوط النظام تجددت موجات التحريض ضد المثليين والمثليات في سوريا على وسائل التواصل الاجتماعي وذلك عقب حملة اعتقالات شنتها قوات تتبع للحكومة وأخرى مسلحة غير حكومية في عدة نقاط سورية، ووثّقت كاميرات المقاتلين أنفسهم قيامهم بارتكاب عدة انتهاكات بدءا من الضرب المبرح وليس انتهاء بالتهديد بالقتل والتشويه وقطع الأعضاء التناسلية، ويظهر مقطع فيديو آخر قيام عشرات الشبان في العاصمة السورية دمشق بالتجمع حول شابة سورية عابرة والتنمر عليها ومطاردتها.
” الحروب والصراعات التي عاشتها سوريا ساهمت في ازدياد حالات العنف والتشريعات القمعية والوصمة الاجتماعية”.
بحث لمنظمة حركة حراس المساواة
يقول تقرير مطول لمنظمة حركة حراس المساواة نشرته العام الماضي، بعنوان “أفراد مجتمع الميم ع في سوريا بعد سقوط النظام” وثق واقع الاستجابة الإنسانية لأفراد مجتمع الميم ع، إن الحروب والصراعات التي عاشتها سوريا ساهمت في ازدياد حالات العنف والتشريعات القمعية والوصمة الاجتماعية.
بيئة قانونية واجتماعية “مهددة للحياة”:
يمتنع أفراد مجتمع الميم ع عن القيام بأي تواصل مع الشرطة أو عناصر الأمن عند التعرض للمشاكل الأمنية مثل السرقة أو الاعتداء خوفاً من التحول من ضحية إلى مذنب، فيما إذا تم اكتشاف الميول أو الهوية الجندرية أثناء التحقيق.
الحي الذي تقيم فيه الشابة السورية العابرة غادة يعتبر ذا طابع رقابي محافظ، هذا الأمر الذي أدى إلى اشتداد وضعها أمنيا خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد ظهورها في مقابلة مصورة مع أحد الإعلاميين، وكان لهذا الظهور انعكاسا سلبيا مباشرا عليها حيث تحولت من مجرد شخص “مختلف” إلى “هدف”، كما تقول.
هنا تشير إلى تلقيها الكثير من التهديدات الشفوية والمكتوبة من سكان الحي، تقول إحدى الرسائل: “إذا ما طلعتي برات البلد، بدنا نطلعك لعند ربك”، هذا الأمر جعلها – باستمرار – تشعر بأنها مستهدفة ولهذا قررت عدم الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى.
ورغم حجم التهديدات التي تتلقاها، تمتنع غادة تماما عن التواصل مع الشرطة أو الأمن العام بغرض تقديم شكوى، وتبرر ذلك بالخوف من تحولها من “ضحية” إلى “متهمة” مستندة في ذلك إلى حالات عرفتها من أفراد مجتمع الميم ع تم توقيفهم/ن فور محاولة تقديم شكوى ضد المعتدين عليهم/ن:
“الموضوع غير آمن، خوفي أن أدخل المخفر ولا أعود”.
أما “بيوتي” فلطالما عانت كذلك بالشعور بالاستهداف الدائم، لا سيما عقب إخلاء سبيلها مباشرة قبل أكثر من عامين، لكنها اليوم وبتفاؤل حذر تستعيد حياتها تدريجيا بعد أن عاشت مراحل متقدمة كما تصف من فقدان الثقة والخوف الدائم واللجوء بسبب ذلك إلى العزلة التامة “لأحمي نفسي”.
يشير المحامي السوري الذي تواصلنا معه أثناء إعداد هذه الورقة، إلى مفارقة وجود مواد عامة تجرم خطاب الكراهية في القانون السوري، إلا أن جميعها “غير حساسة لقضايا مجتمع الميم ع”، ولا يمكن الاعتماد على القانون كملجأ “حيث يفتقر القانون لمواد تحمي المثليين أو حتى تعترف”، ويرى بأنه من الأجدى التوجه للمنظمات لطلب المساعدة عند الحاجة لها.
وفق ما تقوله غادة فإن التغيير الكبير في سوريا لم يصاحب أي تغيير في العقلية الأمنية أو في تعاطي المجتمع مع موضوع المثلية. حيث تصف الوضع حاليا بأنه “أسوأ”، مع ازدياد حجم وحدة التهديدات التي تتلقاها، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى المضايقات على الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش التي كانت ولا تزال إلى اليوم إحدى أشد الكوابيس إزعاجا بالنسبة لغادة وكثيرات يعشن نفس الظروف.
وفي هذا السياق تروي لنا الشابة السورية العابرة نمطا من الأسئلة حول هويتها تعرضت لها من قبل العساكر على الحواجز: “هل أنت شاب أم فتاة؟ هل يوجد شاب شعره طويل ويلبس بهذا الشكل؟ إلا إذا كنت من قوم لوط!”. مصحوبة بأوامر وعبارات دينية مثل “ارخِ اللحية، اتق الله”.
متهم بانتهاكات جسيمة نائباً لرئيس أعلى سلطة قضائية:
تداول نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي قرار صادر عن وزير العدل السوري مظهر الويس يقضي بتعيين شادي الويسي نائبا لرئيس محكمة النقض في سوريا، وكشف تقرير لمنظمة سين السورية الموجهة لأفراد مجتمع الميم ع أن شادي الويسي الذي شغل مناصب عدة في حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام سابقاً حينما كانت تسيطر على محافظة إدلب وأجزاء من أرياف حلب، وشغل منصب وزير العدل السابق في الحكومة الانتقالية عقب سقوط النظام السوري هو نفسه القاضي المعروف بأبو العباس السوري الذي كان يعمل قاض في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام سابقا.
ويظهر فيديو قامت المنظمة بإعداده قرارات بالإعدام والتعذيب بحق أشخاص مارسوا “اللواطة” تحمل توقيع القاضي أبو العباس السوري حينما كان يعمل مع حكومة الإنقاذ وأخرى لقرارات تحمل نفس التوقيع ولكن باسم القاضي شادي الويسي، كان قد أصدرها الأخير بعد تعيينه قاض في الحكومة الانتقالية بعد سقوط النظام.
وتعد محكمة النقض في سوريا أعلى هيئة قانونية، ومن أبرز مهامها مراقبة تطبيق القانون.

هذا وأصدر رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع في 18 شباط/ فبراير عام 2026، العفو الأول منذ سقوط النظام السابق في 8 أيلول/ سبتمبر عام 2024، عن بعض الجرائم المرتكبة قبل تاريخ صدوره. وأثار قرار العفو موجة انتقادات واسعة في الشارع السوري والوسط الحقوقي السوري، حيث تنص المادة 30 من الفقرة ج في الإعلان الدستوري المؤقت على أن صلاحية إصدار عفو عام هو من صلاحيات مجلس الشعب حصراً، بينما يستطيع الرئيس وفق الإعلان فقط منح العفو الخاص ورد الاعتبار وفق المادة 40، لكن الأشد وقعا كان على أفراد الأقليات الجنسية والجنسانية، أن العفو يستثني القرار بشكل واضح عددا من الجنايات والجنح المرتكبة تحت المادة 520 التي تجرم المثلية. وتنص 520 على تجريم العلاقات المثلية حيث تعتبر أنها “مجامعة على خلاف الطبيعة” وتفرض هذه المادة عقوبات على مرتكبيها قد تصل إلى حد الثلاث سنوات.
استمرار العنف في مراكز الأمن:
لا يزال العنف الجسدي واللفظي استراتيجية تنتهجها عناصر الأمن السوري في التعامل مع المواطنين في سوريا، وقد وردت عشرات الشكاوى التي وردت على ألسنة مواطنين سوريين تفيد بتعرضهم للتعذيب والتعنيف داخل المراكز الأمنية، واعترفت مؤخرا وزارة الداخلية السورية بارتكاب عناصرها انتهاكات جسدية أثناء التعامل مع مواطنيْن سورييْن في منطقة عين ترما بريف دمشق متوعدة بمحاسبة المسؤولين. يمكن الاستنتاج بناء على ما ورد في هذه الورقة أن العنف سيكون مضاعفا فيما ا لو كان هؤلاء المواطنين السوريين من أفراد مجتمع الميم ع.
خلاصة استنتاجية:
بحسب ما خلصت إليه هذه الورقة التي تتعقب المشاكل والتحديات القانونية التي يعيش في ظلها أفراد مجتمع الميم ع في سوريا، نستنتج ما يلي:
- يتم استهداف أفراد الأقليات الجنسية والجنسانية والزج للاعتقال بسبب الهوية الجندرية.
- التهديد ضد أفراد الأقليات الجنسية والجنسانية ينبع من مجرد الوجود المرئي.
- تقوم الأجهزة الأمنية بتتبع أفراد مجتمع الميم ع، وتقوم بعمليات الاعتقال بناء على الوشاية تحت الضغط.
- تتنقل الضحايا بين الأفرع الأمنية وقد يزج بعضها في السجون المركزية، ما يشير إلى آلية ممنهجة لتجريم العابرين/ات.
- تلجأ النقاط الأمنية إلى بدائل تعسفية في ظل غياب الدليل القاطع، وتجبر الضحايا تحت التعنيف اللفظي والجسدي على “التعهد”.
- يعيش أفراد مجتمع الميم ع في بيئة سكنية غير آمنة، حيث يتبنى المجتمع الخطاب الأمني والديني ويقوم بتطبيقه.
- تلتزم غالبية العابرات منازلهن ولا يخرجن إلا للضرورة القصوى.
- تفرض الضغوط النفسية الشديدة لدى أفراد مجتمع الميم ع عقب الحوادث الأمنية وبسبب تجريم الوجود قانونيا مشاكل نفسية واجتماعية عميقة مثل العزلة والشعور الدائم بالاستهداف.
- العواقب الاجتماعية قد تكون أكثر فتكا من العواقب القانونية.
- يرفض أفراد مجتمع الميم ع اللجوء للشرطة في حال التعرض للسرقة أو التهديد وذلك خوفا من الاعتقال والتحول إلى متهم/ة.
- ما زالت حكومة السلطة الانتقالية في سوريا تعتمد قوانين العقوبات نفسها بما يخص تجريم أفراد مجتمع الميم ع والمثلية الجنسية كما في المواد: 520، 517،503، وقوانين الجريمة الإلكترونية.
- تتعاطى السلطة الانتقالية في سوريا بشكل سلبي مع أفراد مجتمع الميم ع وتستثني المواد التي تجرم المثلية ومرتكبيها.
التوصيات:
لا يكفي وفق المحامي السوري إلغاء المادة 520 “المطلوب حزمة تشريعية تشمل إلغاء جميع مواد التجريم المتعلقة بالهوية والميول الجنسية، وسنّ قانون شامل لمكافحة التمييز”، إلى جانب إصلاح المناهج التعليمية، وتدريب الكوادر الأمنية والقضائية، والأهم الاعتراف القانوني بالهوية الجندرية والسماح للعابرين/ات بتغيير بياناتهم في الوثائق الرسمية:
“الوضع القانوني لمجتمع الميم ع في سوريا هو نتاج صراع بين النص القانوني العقائدي والممارسة الأمنية القمعية. الإصلاح لا يقتصر على تفكيك المنظومة الأمنية، بل يجب أن يتعدى إلى تفكيك العقلية المجتمعية التقليدية”.
بالنسبة لغادة فإن الحل الجذري يتطلب تغييرات تشريعية ومجتمعية عميقة، إلا أنها تستبعد إمكانية تحقيق ذلك حاليا. وتشدد على ضرورة إلغاء المادة 520 من قانون العقوبات وأي مواد تجرم المثلية والعبور الجنسي. وضرورة سن قوانين تحمي الحريات الشخصية وتجرم التمييز.
تؤمن غادة بأن التغيير لكي يحصل يجب أن يبدأ من الأعلى وبالتالي سينعكس على المجتمع، تقول لنا:
“المجتمع تحكمه العادات، ولكن عندما يتغير الخطاب الحكومي تجاه مجتمع الميم، ستتغير أيديولوجية الشعب أوتوماتيكياً”.
تبرز هذه الورقة الحاجة الماسة إلى اتباع عدة توصيات لتحسين الوضع القانوني لأفراد مجتمع الميم ع:
- إلغاء المادة 520 والتأكيد على أن المثلية لا تشكل جرما في القانون.
- مراجعة وتعديل قوانين الآداب العامة وقوانين الجرائم الإلكترونية بما يضمن عدم استخدامها كّذرائع قانونية لتجريم مجتمع الميم ع.
- سن قوانين مناهضة التمييز والإقصاء ضد أفراد مجتمع الميم ع.
- العمل فورا على وقف عمليات التعذيب المستخدم من قبل عناصر الأمن وتجريمه مع ضمان كرامة الموقوفين/ات.
- تجريم خطاب الكراهية عبر إصدار تشريعات تجرم التحريض على العنف والتمييز ضد أفراد الأقليات الجنسية والجنسانية في سوريا.
- توفير آليات إبلاغ آمنة وبروتوكولات قانونية أمنية تسمح لأفراد مجتمع الميم ع اللجوء إليها دون الخوف من المساءلة القانونية أو التمييز بناء على الميول الجنسي أو الهوية الجندرية.
- شطب السجلات الجنائية المرتبطة بتهم مثل 520، 503، 517 وقوانين الجريمة الإلكترونية وغيرها من مواد تستخدم لتجريم أفراد مجتمع الميم ع.