المشي على رؤوس الأصابع: كيف تحول يوم الخروج من الخزانة إلى واجبٍ اجتماعي

في كل عام، يأتي يوم الخروج من الخزانة محمّلًا بقصص الشجاعة والاعتراف بالذات. تُنشر الشهادات الشخصية، وتُروى الحكايات، ويُحتفى بأشخاص قرروا التوقف عن إخفاء جزء أساسي من هويتهم. لكن وسط هذا الاحتفاء، هناك سؤال يستحق التوقف عنده: ماذا لو كان التركيز على فعل “الخروج” نفسه يحجب نقاشًا أكثر أهمية، وهو الظروف التي تجعل الخروج آمنًا أو خطرًا؟

كثيرًا ما يُقدَّم الخروج من الخزانة بوصفه لحظة تحرر فردية، وبالفعل، يمكن أن يكون كذلك بالنسبة لكثيرين/ات،  إلا أن هذا التصور، حين يُفصل عن سياقه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، يتحول بسهولة إلى سردية مبسطة تختزل تجربة معقدة في قرار شخصي واحد! وكأن المشكلة تكمن في شجاعة الفرد أو تردده، لا في البيئة التي تجعله يخشى الإفصاح أصلًا.

العالم يحبّ أن يطالبك بالظهور، يحبّ أن يصنع منك بطلًا، وأن يصفق للحظة إعلانك عن نفسك، لكنه غالباً لا يكون موجوداً عندما تواجه وحدك احتمالات النبذ أو العنف أو فقدان العمل أو انقطاع العلاقات الأسرية، لا يعرف كثيرون شيئًا عن واقعك، ولا عن المخاوف التي تحملها يوميًا، ولا عن الحسابات الدقيقة التي تجريها بين الصدق والأمان، ولهذا يصبح الاحتفاء بالخروج، في بعض الأحيان، أسهل بكثير من العمل على إزالة الأسباب التي تجعل الناس مضطرين للاختباء.

تكمن إحدى الإشكاليات في أن الخطاب العام حول الخروج من الخزانة يصنع أحيانًا ثنائية زائفة: إما أن تكون ظاهرًا وصادقًا مع نفسك، أو مختبئًا وخائفًا. غير أن التجارب الإنسانية أكثر تعقيدًا من ذلك، فهناك من يعيش هويته بصدق كامل مع نفسه ومع دائرة ضيقة يثق بها، دون أن يكون قادرًا أو راغبًا في إعلانها للجميع، يختار المشي على رؤوس أصابعه، بهدوء وحذر، وهناك من يؤجل الإفصاح ليس بسبب الإنكار أو الخجل، بل بسبب تقييم واقعي للمخاطر المحيطة به، كما أن هناك من لا يرى أصلًا أن عليه تقديم كشف أو تبرير لأي شخص حول تفاصيل حياته الخاصة.

وهنا تبرز نقطة غالبًا ما تغيب عن النقاشات العامة: الخروج من الخزانة ليس حدثًا واحدًا يحدث مرة واحدة وإلى الأبد، في الواقع؛ هو عملية مستمرة من اتخاذ القرارات المتعلقة بمن يعرف ومتى يعرف وكيف يعرف، فالكثير من الأشخاص يفصحون عن هوياتهم/ن داخل دوائر صغيرة وآمنة تضم أصدقاء مقرّبين أو أفرادًا داعمين من العائلة أو شركاء حياة أو مجتمعات يشعرون داخلها بالاحترام والثقة. وهذا أيضًا شكل كامل ومشروع من أشكال الخروج.

ليس المطلوب من أي شخص أن يكشف حياته الخاصة أمام الجميع حتى يُعترف له بالصدق أو الشجاعة، فالخصوصية لا تعني الإنكار، كما أن العلنية ليست المعيار الوحيد للتحرر، أحيانًا يكون اختيار دائرة الثقة المناسبة، وتحديد الحدود الشخصية، والسيطرة على المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة، فعلًا من أفعال الاستقلالية والتمكين.

من هنا، يصبح من الضروري إعادة تعريف مفهوم الشجاعة المرتبط بهذا اليوم، فالشجاعة ليست دائمًا في رفع الصوت أو توسيع دائرة الإفصاح، أحيانًا تكون الشجاعة في اتخاذ القرار الأكثر أمانًا، حتى لو بدا أقل احتفاءً أو أقل ظهورًا. فليس كل الأشخاص يعيشون الظروف نفسها، ولا يواجهون التحديات ذاتها.

ولذلك، فإن أي حديث مسؤول عن الخروج من الخزانة يجب أن يترافق مع الحديث عن الأمان، فما يُعدّ خيارًا طبيعيًا في بيئة ما قد يتحول إلى مخاطرة كبيرة في بيئة أخرى، وتتفاوت هذه المخاطر بحسب العائلة، والمجتمع المحلي، والوضع المعيشي، وطبيعة مكان العمل أو الدراسة، ومدى توفر شبكات الدعم والحماية.

إن التفكير بالأمان ليس جبنًا، كما يُصوَّر أحيانًا، بل ممارسة مشروعة للعناية بالذات، فمن حق أي شخص أن يقيّم ظروفه الخاصة قبل اتخاذ قرار الإفصاح، وأن يسأل: هل أمتلك شبكة دعم؟ هل هناك أشخاص يمكن الاعتماد عليهم؟ هل أستطيع تحمل النتائج المحتملة لهذا القرار في الوقت الراهن؟ هذه الأسئلة ليست تعبيرًا عن الخوف بقدر ما هي تعبير عن المسؤولية تجاه الذات.

ولهذا فإن الخطاب الحقوقي المسؤول لا يدفع الناس نحو الخروج من الخزانة بأي ثمن، ولا يحتفي بالمخاطرة لذاتها؛ بل يدافع عن حق الأفراد في اتخاذ القرار الأنسب لظروفهم/ن، ويدعم قدرتهم/ن على بناء مساحات آمنة واتخاذ خطوات مدروسة ومتدرجة عندما يرغبون بذلك، فالقيمة الأخلاقية لا تكمن في حجم المجازفة التي يقدمها الشخص، بل في احترام حقه الكامل في تحديد حدود الأمان التي يحتاجها.

هذه المقاربة تعيدنا إلى سؤال أكثر جوهرية: من يملك قرار الخروج؟

في الخطاب الحقوقي، يُفترض أن تكون الإجابة واضحة: الفرد نفسه. لكن الواقع يكشف أن الضغوط قد تأتي من اتجاهات متعددة، فكما مارست مجتمعات كثيرة ضغوطًا تاريخية لإبقاء الأشخاص في دائرة الصمت، قد تظهر أحيانًا ضغوط معاكسة تعتبر الإفصاح العلني واجبًا أو دليلًا وحيدًا على الأصالة أو الالتزام بالقضية، وفي كلتا الحالتين، تصبح حرية الاختيار مهددة! 

الحق الحقيقي ليس في الخروج فقط، بل في اختيار التوقيت والطريقة والحدود، والحق الحقيقي ليس في أن تُرى فحسب، بل في أن تحتفظ بالسيطرة على ما تريد مشاركته من حياتك الشخصية ومع من تريد مشاركته.

ومن زاوية حقوق الإنسان، لا ينبغي أن يكون السؤال الرئيسي: “لماذا لا يخرج المزيد من الأشخاص من الخزانة؟” بل: “لماذا لا تزال هناك خزانات أصلًا؟”. فالخزانة ليست مجرد مكان رمزي للاختباء؛ إنها نتيجة مباشرة لبيئات تنتج الخوف وتعاقب الاختلاف،  وعندما يصبح الإفصاح مخاطرة، فإن المشكلة تكمن في البنى الاجتماعية التي تجعل الحذر ضرورة.

لذلك، ربما يكون المعنى الأعمق لهذا اليوم هو تحويل الانتباه من الفرد إلى المجتمع. من مطالبة الأشخاص بالشجاعة إلى مطالبة المؤسسات والفضاءات العامة والعلاقات الاجتماعية بالمسؤولية، لأن المجتمعات العادلة تُقاس  بمدى شعور الناس أنهم ليسوا بحاجة إليها من الأساس.

في يوم الخروج من الخزانة، من المهم الاحتفاء بمن اختاروا الإفصاح عن هوياتهم/ن رغم التحديات، لكن من المهم أيضًا الاعتراف بأولئك الذين/اللواتي لم يفعلوا، أو الذين/اللواتي لا يستطيعون فعل ذلك الآن، أو الذين اختاروا مشاركة حقيقتهم/ن مع أشخاص محددين فقط، فجميع هذه الخيارات يمكن أن تكون صادقة ومشروعة ومتسقة مع احترام الذات.

في النهاية، لا ينبغي أن يتحول الخروج من الخزانة إلى اختبار للصدق أو مقياس للالتزام أو معيار للشجاعة، إنه حق شخصي، والحقوق تفقد معناها عندما تتحول إلى واجبات.

ليس المطلوب أن يخرج الجميع من الخزانة، بل أن نعمل من أجل عالم لا يُجبر أحدًا على بنائها، عالم يستطيع فيه كل إنسان أن يقرر بنفسه كيف ومتى ولمن يكشف عن ذاته، دون خوف ودون ضغط ودون تهديد، وعندها فقط يصبح الخروج خيارًا حرًا بالفعل، لا استجابةً للخوف، ولا استجابةً لتوقعات الآخرين.

سامي الأغباشي، ناشط كويري

شارك!