تشير اللَّاجنسية إلى عدم الشعور بالانجذاب الجنسي عند كلا الجنسين، وتُعتبر واحدة من أكثر التوجهات الجنسية الأقل فهماً والأكثر تجاهلاً في المجتمع، ولكنها توجه طبيعي ضمن الطيف الجنسي، يتيح هذا التوجه لأصحابه بناء علاقات عاطفية قوية قائمة على الحب والاحترام حتى دون وجود انجذاب جنسي، ومع ذلك، فإن الاعتراف بهذه الهوية ما يزال محدوداً، سواء في المجتمع العام أو داخل الحركات الحقوقية. فبحسب شبكة الرؤية والتعليم للاجنسية (AVEN)، فإن اللاجنسية جزء أصيل من التنوع الجنسي وليست حالة مؤقتة أو مرضية، بينما وصفت دراسة منشورة في Nature Reviews Urology عام 2024 اللاجنسية بأنها “هوية غير مرئية” في النقاشات الطبية والاجتماعية، مما يؤدي إلى انتشار مفاهيم خاطئة تعتبرها خللاً يجب إصلاحه!
اللاجنسية في المجتمع العام:
في المجتمع العام، يواجه اللاجنسيون/ات وصم اجتماعي متكرر، إذ يُنظر إليهم/ن على أنهم/ن يعانون من برود أو عجز جنسي، ويُفرض عليهم/ن ضغط الزواج والإنجاب كمعيار أساسي لقيمة الفرد، ويتضاعف هذا الضغط في المجتمعات المحافظة التي تربط مكانة الإنسان بقدرته على تكوين أسرة، كما أن اللاجنسية تكاد تكون غائبة عن السياسات العامة والتمثيل الإعلامي، وهو ما أكدته دراسة في Springer عام 2023 التي أشارت إلى أن التحيز ضد اللاجنسيين ما يزال “تابو اجتماعي” يُضعف اندماجهم/ن ويزيد من شعورهم/ن بالعزلة.
الضغوط داخل مجتمع الميم ع:
لكن التحديات لا تقف عند حدود المجتمع العام، بل تمتد إلى داخل مجتمع الميم ع نفسه، ورغم أن هذا المجتمع يُفترض أن يكون مظلة جامعة للتنوع، إلا أن اللاجنسيين/ات يواجهون داخله ضغوطاً إضافية، حيث يُساء فهمهم/ن أحياناً على أنهم/ن “مثليون/ات غير ممارسين/ات” أو “غير مندمجين/ات”، مما يضعهم/ن في موقع دفاع دائم، وبعض الأوساط تربط الهوية الكويرية بالممارسة الجنسية، وهو ما يجعل اللاجنسيين/ات عرضة للتهميش، كما أن الحملات والفعاليات تركز غالباً على المثلية والعبور الجندري، بينما يتم تجاهل اللاجنسية أو ذكرها بشكل هامشي! وفق ما ورد في Wikipedia حول ظواهر Acephobia وAsexual Erasure، فإن اللاجنسيين/ات يُقصون أحياناً من فضاءات الميم أو يُعتبرون غير جزء من الطيف، وهو ما يعمّق شعورهم/ن بالاغتراب المزدوج!
انعكاسات هذا التهميش واضحة، فاللا جنسـيون/ات يشعرون أنهم/ن ليسوا مقبولين/ات في المجتمع العام أو حتى داخل مجتمع الميم ع نفسه، ويعيشون ضغطاً نفسياً إضافياً نتيجة الحاجة المستمرة لتبرير هويتهم/ن، كما أن غياب المبادرات التي تركز على اللاجنسية يجعل من الصعب إيجاد شبكات دعم داخل الحركات الحقوقية، وهو ما يضعف فرص مشاركتهم/ن وتمثيلهم/ن.
نحو خطاب أكثر شمولية:
اليوم العالمي للاجنسية يشكّل فرصة لإعادة التفكير في معنى التنوع داخل مجتمع الميم ع، فإذا كان هذا المجتمع يسعى إلى العدالة والاعتراف، فعليه أن يتجاوز التوجهات الأكثر حضوراً ليشمل الهويات الأقل تمثيلاً. اللاجنسية ليست استثناءً، بل جزء من الطيف الجنسي الذي يجب أن يُعترف به ويُدافع عنه، وكما قال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك: “إذا فشلنا في تحقيق المساواة للبعض، فإننا نفشل في تحقيقها للجميع”.
اللاجنسية تذكير بأن قيمة الإنسان لا تُقاس برغباته الجنسية، بل بقدرته على الحب والاحترام وبناء مجتمع يتسع للجميع، وفي اليوم العالمي للاجنسية، ندعو إلى خطاب حقوقي أكثر شمولية داخل مجتمع الميم ع، خطاب يعترف باللاجنسية كهوية كاملة، ويضمن أن كل فرد يجد مكاناً آمناً ومعترفاً به.
سامي الأغباشي
ناشط كويري سوري