خارطة كويريّة للاستبداد، الثورة، والمنفى: لماذا يجب قراءة Salamlik؟

قلما يُعثَر في المكتبة السورية التي تذخر بنصوص الحرب واللجوء والاستبداد، على عمل أدبي يتجسد على شكل مرآة تعيدنا بالزمن وتذهب بنا إلى الأماكن بمنظور مختلف… ماذا لو كانت هذه المرآة كويرية؟ إذن، حينها لن يوجد ربما إلا ما يعد على الأصابع من الأعمال الأدبية. 

تتجاوز رواية سلملك Salamlik التصنيفات التقليدية للأدب، يمكن للقارئ أن يضعها ضمن أدب المهجر أو الأدب الإيروتيكي بل أنها حتى فرضت نفسها كَخارطة توثيق اجتماعية، سياسية، وكويريّة. وفي عشرة فصول يبحر الكتاب متنقلا بين الجغرافيا والتاريخ ضمن ثنائيات وتحولات المشاعر والجسد مختلفة، لا تبدأ بـ “إعلان موت الديكتاتور” ولا تنتهي بصقيع المدن الاسكندنافية في أوروبا مرورا بقسوة الحرب واللجوء والتجارب المثلية. 

ويستخدم مصطلح الإيروتيكية للتعبير عن تصور فني أدبي أو بصري للرغبة الجنسية والحب الجسدي ضمن إطار رمزي جمالي إبداعي يركز على المشاعر والحالة الحسية العاطفية من زاوية فنية بحتة. 

لماذا قراءة “سلملك”؟ لأنه ليس مجرد سردية فردية، بل إعادة قراءة أدبية جديدة للتّاريخ السوري الحديث من الظل! حيث تتقاطع السياسة والهوية الجندرية مع الذاكرة المكانية، كتب القصة خالد الإسماعيل، وهو كاتب وصحفي سوري، نال عدد من التكريمات والترشيحات عن أعماله الصحفية والأدبية. ويعني عنوان الكتاب باللغة العربية حرم الرجال.

في منطقة رمادية “بين عهدين”: 

في فصوله، يصور الكاتب مشاعر الحيرة لدى بطل الرواية، الطالب الجامعي الذي سيخوض غمار علاقات عاطفية مختلفة، إزاء حدث مفصلي جسد حقبة جديدة للسوريين والسوريات: موت حافظ الأسد.

“كان يفترض أن تكون هذه مناسبة سعيدة.. ثلاثون عاما من الديكتاتورية..”.

وبعيون بطل الرواية يأخذنا الكتاب لتلك اللحظات بتوصيف فريد للحالة الشعورية التي عاشها السوريون/ات في منطقة لا زالت آنذاك رمادية بين عهدين لو جاز التعبير: الصمت المطبق في الباص، المذيع في التلفزيون السوري، البرلمان السوري، الحالة الأمنية…. إلى جانب مواقف عديدة غطت عقدين من الزمن. 

خارطة كويريّة زمنية: 

لعل قيمة هذا الكتاب الذي يلامس فترات زمنية وأحداث مختلفة: ما قبل وما بعد موت الديكتاتور، الثورة، الحصار، الاعتقال، اللجوء وما بينهم، والعلاقات المثلية خلالها، تأتي بكونه أرشيف كويري لم يشهد فقط على الانفتاح النسبي في دمشق وملتقيات أفرادها الكوير وتفاصيل عاشوها قبل وبعد عام 2011، إنما انطلق بلغة أدبية رفيعة وتصوير ذكي وسلس ينساب مع حالة حسية إيروتيكية تَسبُرُ بالتوازي أغوار شخصيات القصة ودوافعها دون إغفال البعد الإنساني لها والاشتباك الحاصل مع الحرب وحساسيتها المذهبية والدينية، ليخبرنا عن مدى عمق العلاقات المثلية عند أفرادها السوريين.  

لم يقتصر تتبع آثار الحرب بالنسبة للكاتب على تصوير قسوتها بشكل عام، بل دعانا لنتوقف عند هشاشة الجسد بمقابل آلة القمع: “يجب أن يقتل هذا المخنث”. وبِسلاسة مرة أخرى تُكسر حدة الموت والدمار بالتحليق مع الذكريات الدافئة والتعمق فيها.

إذن، “سلاملك” “Salamlik” ليس مجرد أحداث هوموروتيكيّة في ظل الحرب… بل هو حكاية جيل كامل وجد نفسه عالقا بين أشياء كثيرة، إنه حكاية عن الحب في عهد الخوف، وعن ذاكرة سورية نجوب فيها لعقود من منظور قل مثيله. 

شارك!