ينتهي الاتفاق على تعريف العدالة الاجتماعية بوصفها تعبير عن الإيمان بالمساواة في الحقوق والحصول على الفرص دون أي تمييز أو استبعاد مبني على أي من أشكال التحيز أو التهميش على أساس عرقي، مذهبي، جنسي..، ينتهي من غير رجعة عندما يتم تناول هذا المفهوم من منظور كويري قد يهدد بشكل تلقائي هياكل السلطة الذكورية في المجتمع.
ويمكن عند الحديث عن تطبيق العدالة الاجتماعية التطرق للمبادئ التي وضعها البروفيسور البريطاني ديفيد ميلر حولها والواردة تفصيلا في كتابه “Principles Of Social Justice”، ويرى أن تطبيقها في أي مجتمع يتطلب التركيز على ثلاثة مبادئ: الاستحقاق، الحاجة، والمساواة، وهي مبادئ تختلف بحسب السياق، ويجب على الدولة والمجتمع الالتزام بها لتطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية دون انتهاك. ولا يعني ذكر هذه المبادئ وإسقاطها على السياق الكويري السوري صلاحيتها أو إمكانية تطبيقها إنما لا تعدو هذه المحاولة عن كونها تساؤلاً عما يحقق مبادئ العدالة الاجتماعية في سوريا من وجهة نظر أفراد مجتمع الميم ع.
مبادئ ميلر من منظور كويري:
بالنظر إلى مبادئ ميلر، يجب من أجل تحقيق “المساواة” البدء بتوسيع مفهوم المساواة ليشمل الاعتراف. ومن منظور كويري لا يكفي أن يحق لشخص عابر جنسيا التصويت، بل على الدولة أن تتكفل بالاعتراف به في أوراقها الرسمية، حيث أن إنكار الهوية شكل من أشكال عدم المساواة.
أما وفق مبدأ الحاجة عند ميلر، فإن الدولة والمجتمع عليهم الالتزام بتوفير الموارد والآليات التي من شأنها تلبية الاحتياجات الأساسية للجميع دون استثناء، ولا يعني ذلك كويريّاً التركيز فقط على الاحتياجات الناتجة عن التهميش الهيكلي إزاء أفراد مجتمع الميم ع مثل حاجات الدعم النفسي والمادي وتأمين المأوى، بل أيضا يتطلب تغطية الاحتياجات البيولوجية مثل الرعاية الصحية لا سيما للعابرين/ات وبينيي/ بينيات الجنس (انترسكشوال).
أما المبدأ الثالث: وهو الاستحقاق وتوزيع الفرص بالتساوي وبه تكتمل العدالة الاجتماعية وفق ميلر، يستدعي ليوافق أفراد مجتمع الميم ع، إعادة تصميم سوق العمل ليكون أكثر حيادية بما يضمن عدم التحيز الجنسي، أي أنه لا يمكن رفض توظيف شخص كفؤ لأن المظهر يبدو “غير نمطي” “غير مألوف”.
“العدالة الاجتماعية كاختبار حقيقي”:
للاقتراب إلى الواقع أكثر، سألنا عدد من أفراد مجتمع الميم ع في سوريا، ما هي العدالة الاجتماعية بالنسبة لكم؟ واستخدمنا للتعبير عن إجابات المشاركين أسماء وهمية بعد موافقتهم/ن.
عاش الشاب السوري طارق تجربة اللجوء في أوروبا قبل عودته إلى سوريا خلال العام الماضي، يفسر طارق العدالة الاجتماعية بوصفها اختزالا لمفاهيم مثل الحق في الأمان والبقاء في الوطن دون خوف أو اضطرار إلى الرحيل. هي “ليست نصوصاً قانونية فحسب”، بل فعلا مشتركا بين الدولة والمجتمع من شأنه بث الطمأنينة ويمنح القدرة على بناء حياة مستقرة.
يبرز الشاب يمان الذي يعمل ناشطا في المجتمع المدني التقاطع بين هويته الجندرية وفهمه للعدالة الاجتماعية باعتبارها “اختبار حقيقي لقدرة المجتمع على تقبل الاختلاف” حيث أنها كما يراها يمان، منظومة متكاملة تقوم على المساواة في الفرص واحترام التنوع وضمان المشاركة الفاعلة في الحياة العامة. ولا تقاس المساواة بالنسبة له بالشعارات فقط، بل هي ممارسات مجتمعية تضمن عدم الإقصاء أو الترهيب. وهو كذلك ما يراه الشاب عبد الرحمن الذي يعمل موظفا حكوميا، فإن العدالة الاجتماعية تتطلب تطبيقا عمليا تبدأ “من نظرة المجتمع تجاه الفئات المهمشة” بما يضمن مساواة حقيقية. ويجد أن الدولة مسؤولة عن تطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية التي تشمل توزيع الموارد بشكل عادل وضمان الخدمات والفرص للجميع دون استثناء.
العدالة تعني قانون يشمل الجميع:
يستطيع القانون تجسيد العدالة بمفهومها الواسع، عبر مظلة قانونية تضمن وتصون حقوق الأفراد دون تمييز مضاد لأي فئة سواء كانت دينية أو جنسية أو غير ذلك، وفي سوريا يبدو المشهد القانوني حاليا مبهم وغير واضح، وسط تخبط تعاني منه الدوائر القانونية بحسب مصادر موثوقة، وليس سرا أن ذلك أثر على تسيير الكثير من الملفات القانونية العالقة بسبب غياب القانون الناظم لشتى ومختلف المناحي الحياتية، إذا أردنا تحديد موقف القانون والقائمين على الدولة السورية حاليا إزاء أفراد الأقليات الجنسية والجنسانية في سوريا، سيبدو عدم الوضوح وصفا لطيفا، إذ لا تكتمل العدالة الاجتماعية من منظور كويري دون قانون لا يحمي فقط بل يعترف ليغطي مبادئ المساواة، الحاجة، ثم الاستحقاق. على سبيل المثال: لا يمكن لشخص كوير أن يفصل/ تفصل من العمل بسبب مظهر أو هوية ما دون التمكن – بأمان – إلى القضاء.
إذن، لا يبدو أن تصورات أفراد مجتمع الميم ع في سوريا عن العدالة الاجتماعية بعيدة جدا عن تلك التي وضعها ميلر، وبالنسبة للسوريين/ات فإن العدالة بأشكالها المختلفة باتت مطلب يومي يجمعون عليه خصوصاً بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، السؤال: هل يبقى هذا الإجماع على ضرورة تحقيق العدالة لتضمن أيضاً الاعتراف وضمان حقوق المثليين والمثليات وبينيي وبينيات الجنس ومزدوجي ومزدوجي ومزدوجات الهوية الجنسية والعابرين والعابرات وغير محددي الجندر في سوريا؟ الجواب يحتمل كل الخيارات ربما إلا أن السؤال الأهم لإيجاد إجابة عليه: ما هو دورنا في تحقيق ذلك؟